الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
104
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
خلق اللّه القلم ، وهو أثبت من حديث العقل . ولأبى الشيخ عن قرة بن إياس المزنى رفعه : « الناس يعملون الخير وإنما يعطون أجورهم على قدر عقولهم » « 1 » . وقد اختلف في ماهية العقل اختلافا طويلا يطول استقصاؤه . وفي القاموس ومن خط مؤلفه نقلت : العقل العلم ، أو بصفات الأشياء من حسنها وقبحها وكمالها ونقصانها ، أو العلم بخير الخيرين وشر الشرين ، أو يطلق لأمور لقوة بها يكون التمييز بين القبيح والحسن ، ولمعان مجتمعة في الذهن تكون بمقدمات يستثبت بها الأغراض والمصالح ، ولهيئة محمودة للإنسان في حركاته وكلماته ، والحق أنه روحاني به تدرك النفس العلوم الضرورية والنظرية ، وابتداء وجوده عند اجتنان الولد ، ثم لا يزال ينمو إلى أن يكمل عند البلوغ . انتهى . وقد كان - صلى اللّه عليه وسلم - من كمال العقل في الغاية القصوى التي لم يبلغها بشر سواه ، ولهذا كانت معارفه عظيمة وخصائصه جسيمة ، حارت العقول في بعض فيض ما أفاضه من غيبه لديه ، وكلّت الأفكار في معرفة بعض ما أطلعه اللّه عليه ، وكيف لا يعطى ذلك وقد امتلأ قلبه وباطنه وفاض على جسده المكرم ما وهبه من أسرار إلهيته ومعرفة ربوبيته وتحقق عبوديته . قال وهب بن منبه : قرأت في أحد وسبعين كتابا ، فوجدت في جميعها أن اللّه تعالى لم يعط جميع الناس من بدء الدنيا إلى انقضائها من العقل في جنب عقله - صلى اللّه عليه وسلم - إلا كحبة رمل بين رمل من جميع رمال الدنيا ، وإن محمدا أرجح الناس عقلا وأفضلهم رأيا . رواه أبو نعيم في الحلية وابن عساكر . وعن بعضهم مما هو في عوارف المعارف : اللب والعقل مائة جزء ، تسعة وتسعون في النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - وجزء في سائر المؤمنين ، ومن تأمل حسن تدبيره للعرب الذين هم كالوحش الشادر ، والطبع المتنافر والمتباعد ، وكيف ساسهم واحتمل جفاءهم وصبر على أذاهم إلى أن انقادوا إليه ، واجتمعوا عليه ،
--> ( 1 ) ضعيف : أخرجه أبو الشيخ ، كما في « كنز العمال » ( 7052 ) .